البريد الالكتروني           كلمة السر                   لقد نسيت كلمة السر   |   تسجيل جديد   |   Français  

النفوذ الثقافي والروحي للمغرب في إفريقيا Facebook     Twitter     طباعة

10 مايو 2017
الرابط : ??? ?????? ????

النفوذ الثقافي والروحي للمغرب في إفريقيا

باسم الله الرحمن الرحيم
النفوذ الثقافي والروحي للمغرب في إفريقيا

لما طلب مني الإخوان في النادي الدبلوماسي تناول هذا الموضوع ، كنت أعلم أنه موضوع سهل وصعب في نفس الآن.
ذلك أن التأثير التاريخي للمغرب في افريقيا خلال العصور المتطاولة ، إنما هو شيء بديهي بارزٌ للعيان لكل من كان له إلمام و لو بسيط بتاريخ المغرب.
ولكن الصعب في الموضوع ، أنه لم يُدرس بعد بكيفية علمية موضوعية ، بل ربما دُرّس جزئياً وليس كليا ، أي لم تجمع أطرافه بعد ، ليكون لنا من ذلك نظرة شاملة تؤهلنا للحكم عليه حكما دقيقا . وإنما هناك شذرات هنا وهناك ، من دراسات وأبحاث ، أو في بطون بعض كتب التاريخ التي تشير إلى هذا التأثير ، في بعض مناطق افريقيا وليس كلها.
من البديهي ، أن هذا الموضوع يطرح نفسه في هذا الظرف الحالي الذي يعيشه المغرب ، والذي يشهد عودة المغرب إلى إفريقيا ، بنفس القوة أو أكثر ، التي وصل بها إلى القارة في القرون الغابرة . ذلك هو العمل الديبلوماسي والاقتصادي والتعاون الروحي الذي يقوده العاهل محمد السادس في إفريقيا ويلحق به الحاضر بالماضي ، في وقت ، الحاجة فيه مُلحّةٌ ، والتحدي فيه واضحٌ ، من جهتين:
1 – كون إفريقيا هي قارة المستقبل بكل المقاييس ، وهنا يطرح تحدياً لنا بالخصوص نظراً للوشائج المتصلة التي لنا مع افريقيا ، فنحن مدعوون للمساهمة في العمل التنموي العظيم المنتظر من أبناء إفريقيا ، ومن المجتمع الدولي ككل للنهوض بالقارة وجعلها تلتحق بركب التقدم والنماء .
2 – التحدي المتمثل في تصرفات النظام الجزائري المؤسف منذ أكثر من أربعين سنة ، والذي يرمي إلى حرمان المغرب من استكمال وحدته الترابية ومن القيام بمهمته التاريخية في افريقيا..
إلا أني أجدني هنا ملزماً بفتح قوس كبير ، يتعلق بالأساس بتاريخ المغرب ؛ لأنه لو لم يكن المغرب قد مارس هذا التأثير الكبير الذي نجده في ثنايا التاريخ ، لما استطعنا أن نقيّم العمل الذي يقوم به العاهل المغربي حاليا حق التقييم ، ولا أن نستشرف حظوظه الحقيقية في النجاح ، وقياس هذا النجاح بدقة .
ذلك بأن الله تعالى قد حبا هذه البلاد المغربية بنعم كثيرة خصها بها دون الكثير من البلدان الإسلامية . ومن الواضح أن دخول إدريس الأول إلى المغرب ، كان فاتحة عهد جديد في تاريخ المغرب ، وربما كان المغرب يتوفر على مؤهلات حتى قبل الإسلام ، ونترك هذا الموضوع للبحث التاريخي . ولكن استقبال إدريس الأول ومبايعته بالإمامة ، أي بالملك ؛ ثم انتظار ولادة ابنه ، إدريس الثاني ، وتربيته على يد قبيلة أوربا ، ومبايعته بالملك عند بلوغه الثالثة عشرة ، ثم بناؤه مدينة فاس ؛ كل ذلك دشن عهداً جديداً من الازدهار ، ومهد لقيام دولة كبرى بالمغرب ، مثل المرابطين والموحدين و المرينيين والسعديين ثم العلويين ، كان لها شأنها الكبير في تثبيت دعائم دولة عظمى في الغرب الإسلامي ، كان لها في حقب متفرقة من التاريخ تأثير حاسم ليس فقط لصالح الدولة في المغرب ، ولكن في تطور مجد من التاريخ العالمي ككل ، خصوصاً في أروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط .
من هنا يتبين دور معرفة التاريخ المغربي في كل تخطيط أو عمل نقوم به لربط الحاضر بالماضي ، واستئناف دورنا المتميز في إفريقيا .
ونقول هنا بكل أسف ، إن هذا التاريخ غير معروف لعامة المغاربة ، وخاصة للناشئة ، التي ربما لها شعور سلبي بهذا التاريخ ، لأنها معرّضةٌ للانبهار بالحضارة الأروبية الحالية ، وقد يكون عندها مركب نقص جراء ذلك ، وعقدة تخلف تجاه تلك الحضارة ، يزيد في قوتها جهلها بتاريخ بلادها .
ذلك أن هذا التاريخ لم يكتب بعد بقلام أبناء البلاد كما يجب أن يكتب . بل إن الكثير منا يعتمد على المراجع الأجنبية التي كتبت من تاريخنا ، مهملاً المصادر التاريخية العربية والمغربية التي استقى منها هؤلاء الكتاب الأجانب كتاباتهم . ومن البديهي أن يكون الحكم على كثير من الأحداث في بعض الأحيان عند هؤلاء الكتاب ، مشوهاً أو بعيداً عن الموضوعية ، أو مخلاًّ بقيمتها الحقيقية وتأثيرها في مجرى الأحداث العالمية .
وفي كل الأحوال يجب أن نتصدى لهذه المهمة ، أي كتابة تاريخنا بأنفسنا ، لنزيح أيّ إبهام أو قصور في فهمه ، وننزله منزلته الحقيقية .
ومن هنا ، تتبين ضرورة إعادة النظر في البرامج المقررة في مادة التاريخ بالمدارس المغربية ، حتى نعطي للناشئة الشعور الحقيقي بالهوية ، والاعتزاز المشروع بتاريخ بلادهم ، ولا شك أن ذلك سيكون له تأثير إيجابي كبير في مسيرة التنمية التي يعيشها المغرب حاليا.
إن هذه المقدمة كان لابد منها لنتبين حظوظ ما يقوم به المغرب حاليا في إفريقيا ، في النجاح أو عدمه . ونقول للتو ، إن علامات النجاح ظاهرة وبارزة ؛ ذلك أن المغرب يربط الآن الحاضر بالماضي ويستأنف دوره التاريخي في إفريقيا.
وفي النقطتين السابقتين حقق المغرب إنجازات مهمة :
1 – بالنسبة للعلاقات الثنائية يواصل المغرب منذ تولي العاهل محمد السادس عرش البلاد ؛ سياسة قائمة على مبدإ التعاون " جنوب جنوب " ، ومبدإ "رابح رابح" ، ليوطد أواصر التضامن وإنجاز مشروعات تنموية بمبادرة منه مع العديد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء ، لم تقتصر على البلدان الناطقة بالفرنسية ، بل تعدتها إلى شرق إفريقيا وجنوبها ؛ وقد زار عاهلنا في السنين الأخيرة أكثر من 30 دولة إفريقية ، وهو شيء لم يتقدم له مثيل ، مما يبشر بالمزيد .
2 – بالنسبة للعلاقات المتعددة الأطراف ، حقق المغرب انتصاراً بيناً على خصومه، برجوعه إلى المنظمة الإفريقية القارية ، رغم أنف الخصوم ، وذلك بفضل العمل الدؤوب والحكيم والمتعقل لصاحب الجلالة محمد السادس ، وهو ما ينبىء بدور عظيم منتظر للمغرب داخل تلك المنظمة ، من المؤمل أن يكون له تأثير إيجابي على عمل هذه المنظمة ، و من تم على وحدة إفريقيا ونهضتها .
وطبعاً ، تبشر هذه التطورات بمستقبل زاهر لعلاقاتنا مع بلدان إفريقيا ، وزيادة نفوذنا الإيجابي في القارة .
*****
نقول هذا النجاح الذي أدركه المغرب و ما يزال في مهمته الإفريقية ، ما كان ليتحقق لولا وجود هذه الخلفية التاريخية التي أشرنا إليها . ما يجري حالياً ، هو استئناف الدور المغربي في إفريقيا ، وإذا حللنا بعُجالة ماهي هذه الخلفية التاريخية ، نكتفي في هذا المقام بإعطاء نظرة بسيطة على بعض معالمها البارزة.
فنقول أولا: إن المغرب كان له الدور الأساسي في إدخال الإسلام إلى السودان الغربي الذي يضم الآن معظم بلدان إفريقيا الغربية ، ثم تثبيت الإسلام وتحصينه بإدخال المذهب المالكي والطرق الصوفية إلى شرق إفريقيا ، خاصة السودان الشرقي ، وهو جمهورية السودان حاليا.
وعندما نتكلم على هذا التأثير الثقافي والروحي للمغرب في إفريقيا، إنما نتكلم في الحقيقة على منطقة كانت تشمل دولة الغرب الإسلامي الكبرى الممتدة في أحقاب طويلة ، من الأندلس إلى حدود مصر ؛ ولكن عاصمة هذه الدولة كانت دائما إما فاس أو مراكش ، أثّرت بكل مكوناتها في البلدان الإفريقية المذكورة ، ذلك التأثير الذي كان من نتائجه الإيجابية أن جعل تغلغل الإسلام في شعوبها ، وتشربها مبادئه، وتحصنها بالطرق الصوفية التي أدخلها المغاربة ، سداً منيعاً أمام محاولات الاستعمار الأوروبي تنصير هذه الشعوب ، وهو ما ساهم مساهمة كبرى في إبقاء هذه الشعوب تدين بالإسلام في معظمها ، وسهل مهمة المغرب الحالية ، الإيجابية في إفريقيا.
******
ثانيا : الإسلام إذن عزز وشائج القرب مع الشعوب الإفريقية .هذا الدين الذي يدين به الغالبة العظمى من سكان القارة ؛ وإذا كان الدين قد دخل إلى غرب القارة خاصة بفضل المغاربة ؛ بمعنى هذا المصطلح الشامل ، أي مسلمي الغرب الإسلامي الكبير الذي يشمل شنكيط ، فإن الإسلام ولو لم يدخل إلى شرق إفريقيا عن طريق المغرب ، في البداية ، إلا أنه تعزز كثيرا في السودان الشرقي ، كما قلنا ، بفضل المغاربة الذين أدخلوا المذهب المالكي والطرق الصوفية إلى هذه المناطق .
وإذا ذكرنا الطرق الصوفية لابد من الإشارة إلى أن تأثير المغرب امتد في هذا الشأن إلى مصر نفسها . ومن المعلوم ، أن الطرق الصوفية في معظمها امتدت من المغرب إلى مصر ، وبعض رجالات التصوف المغاربة الكبار ، عاشوا في مصر وأثروا فيها وتوفوا هناك . نؤكد على سبيل المثال لا الحصر ، أبو الحسن الشاذلي ، المدفون في قرية "حُمّيثرى" جنوب مصر قرب حدود السودان ، وأحمد البدوي ، الذي يعتبره المصريون أهم شخصية صوفية عندهم ، المدفون في طنطا، وأبو العباسي المرسي ، والإمام البوصيري صاحب "البردة " الصنهاجي الأصل، وعبد الرحيم القيناوي المعروف بأبي العباس السبتي ، دفين قنا ، في صعيد مصر. وقد تفرعت عن هذه الطرق ما لايكاد يحصى من فروع ما تزال نشيطة ببلاد الكنانة، مما جعل كثيرا من الشخصيات المصرية المرموقة ، تنتسب إلى هذه الطرق ، نذكر منهم هنا على سبيل المثال ، شيخ الأزهر السابق ، الشيخ عبد الحليم محمود ، الذي ألف كتاباً عن أبي الحسن الشاذلي ، وآخر عن قطبي المغرب : سيدي عبد السلام بن مشيش وأبي الحسن الشاذلي .
ثالثاً : إن هذه الحقائق ، تشير إلى أن المغرب كان دائماً ، خاصة منذ القرن السادس الهجري ، مركزاً أساسياً لإنتاج التصوف والمتصوفين الكبار في العالم الإسلامي ؛ وقد نتساءل ما إذا كان المغرب هو أهم منبع للتصوف في العالم . و أعتقد أنه سؤال وجيه ينبغي الإنكباب على بحثه بكل موضوعية . لا شك أن مراكز أخرى لها أهميتها العظمى أيضا في إنجاب المتصوفين ، مثل العراق والشام ومصر وبلاد فارس . والتصوف أصلاً بدأ في بغداد ، ولكن ابتداءً من القرن السادس الهجري ، بدأ الغرب الإسلامي يشارك في هذه الحركة بقوة فاقت كل ما عُرف بالعالم الإسلامي من قبل . ويكفي أن نشير هنا إلى الشيخ محي الدين بن عربي ، الملقب بالشيخ الأكبر وليد مورسية بالأندلس ، والذي عاش بالمغرب أيام العاهل الكبير يعقوب المنصور الموحدي ، وكان له تأثيركبير في الحياة الروحية بالمشرق عندما هاجر إليه واستقر في النهاية بدمشق أكثر من ثلاثين سنة إلى أن توفي بها سنة 638 هجرية .
بل إن المغرب لا يكاد يعرف بعض متصوفته الكبار الذين نبغوا في القرون الأخيرة ، مثل سيدي أحمد الإدريسي الذي ولد بميسور ، وعاش بفاس إلى أن غادرها في سن الخمسين إلى مكة حيث درّس هناك ست عشرة سنة ، ثم عاش بمصر خمس سنين ، ثم عاد إلى مكة ومكث بها سنين أخرى ، ثم هاجر إلى اليمن حيث توفي بها عن سن يناهز التسعين .
لقد اكتشفت هذا الرجل ، الذي كان معاصراً للعاهل الكبير السلطان سيدي محمد بن عبد الله ، في القرن الثامن عشر ، عندما كنت سفيرا لصاحب الجلالة بالسودان . وعلمت فيما بعد أنه غير معروف عند المغاربة . ونكتفي بالإشارة إلى أن تأثيرهُ كان كبيرا في الحجاز ومصر والسودان واليمن . وأكبر من ذلك أنه كان له تلميذان : محمد عثمان المرغني الذي انطلق فيما بعد إلى السودان ، و أسس بها الطريقة الحتمية ، التي تعتبر إحدى الطريقتين الأساسيتين للصوفية بالسودان ، وما يزال تأثيرها مستمرا إلى اليوم (إلى جانب الطريقة المهدية) ، والإمام السنوسي ، الذي أسس الطريقة السنوسية بليبيا ، والتي انتشرت إلى مناطق شاسعة من الغرب الإسلامي ، بل إلى داخل البلدان الإسلامية في غرب إفريقيا .
وقد اهتم بهذه الشخصية الصوفية المغربية الكبرى عدد من الباحثين الإنجليز، وألقوا حول حياته وتأثيره عدة كتب .
في نفس السياق الذي اكتشفت فيه سيدي أحمد الإدريسي في السودان ، إنما اكتشفت في الحقيقة التصوف المغربي ومدى تأثيره . ذلك أن كثيرا من مثقفي أهل السودان ، كانوا يقولون لي ، أن الشخصية السودانية إنما صنعها المغاربة ، بإدخالهم المذهب المالكي إلى السودان ومختلف الطرق الصوفية الأخرى ، وليس فقط الطريقة الإدريسية . وكانت عندي إذ ذاك نظرة سلبية عن التصوف . فكأنما أفقت من سباتي . ومنذ ذلك الحين عرفت قيمة المشاركة المغربية في حركة التصوف العالمية . وما زلت أعتقد أن المغاربة ، بصفة عامة ، كما أنهم لا يعرفون تاريخهم حق المعرفة ، فإنهم كذلك يجهلون حقيقة التصوف المغربي ولا يقدرونه حق قدره ؛ وقد آن الأوان
لأن يتصدى الباحثون إلى هذا الموضوع ويولونه ما يستحق من أهمية ، ويبرزوا كنوز ما تحتويه بطون الكتب والمخطوطات التي لم تحقق بعد ، رغم جهود مشكورة بُذلت في هذا السبيل ، ولكنها غير كافية .
ويكفي أن نشير هنا ، إلى أن التصوف المغربي في إفريقيا الغربية ، كيّف شخصية مسلميها تكييفا نهائيا ، فأقام بذلك سداً منيعاً أمام محاولات الاستعمار الأوروبي ، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، مسخ هذه الشخصية وإذابتها في الهوية الأروبية ؛أفلا يكفي ذلك المغرب فخراً أن يكون هو الذي أدخل الإسلام والتصوف إلى إفريقيا ، حتى أصبح الإسلام دين الغالبية العظمى من سكانها ؟
إن هذا البعد الديني ، له ، وستبقى له ، أهميته الكبرى في تحديد هوية القارة الإفريقية في الحاضر والمستقبل . وكذلك في عهد المغرب في إفريقيا .
لاغرو إذن ، أن نجد المغرب يُجدّدُ هذه الصلات مع إفريقيا ، بحركية لافتة للأنظار ؛ إن تاريخ هذه الصلات مع إفريقيا يفسر إذن هذه الحركية التي أدهشت الباحثين في العالم ؛ والتي يقودها عاهلنا ،حفظه الله، بالكثير من التبصر والتصميم لما فيه خير المغرب والبلدان الإفريقية ، والقارة الإفريقية ككل .
نعم ، لم تكن هذه الحركية الجديدة نحو إفريقيا وليدة هذا اليوم ، إنما هي في الحقيقة استمرارٌ لسياسة مغربية برزت منذ الاستقلال . وكان المرحوم محمد الخامس قد دشنها بكثير من العزم والإيمان ، يكفي أن نذكر هنا مبادرتُه – طيب الله ثراه – لعقد أول قمة إفريقية ، في يناير 1961 بالدار البيضاء ، حضرها زعماء إفريقيا البارزون ، نكروما ، موديبو كايتا، سيكوتوري ، جمال عبد الناصر ، الحكومة المؤقتة الجزائرية ، إلى جانب جلالته . وكان تمهيدا لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية بعد ذلك سنة 1963 .
ويكفي أيضا أن نذكر الدعم السياسي والمادي لمحمد الخامس لحركات التحرير الإفريقية الكبرى إذ ذاك في كل من افريقيا الجنوبية وأنغولا ... والقائمة طويلة .
وفي عهد الحسن الثاني ، أجزل الله ثوابه ، كانت هناك سياسة قوية نحو إفريقيا ، يضيق المجال هنا عن ذكر تفاصيلها . لقد وطدت تلك السياسة ، خاصة على الصعيد الثنائي ، بعد انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984.
أواصر العلاقات الثنائية مع عدد كبير من بلدان القارة ، بإقامة تعاون متين معها في مختلف المجالات .
ونخص هنا بالذكر مجال التعاون الثقافي والتربوي والتكويني . خاصة منذ أسس المغرب سنة 1985 ، " وكالة التعاون الدولي" التي كان الهدف منها بالأساس تقديم العون ، على هذين الصعيدين ، " التعليم والتكوين" إلى البلدان الإفريقية. ولاشك أن هذه الوكالة قد ساهمت مساهمة فعالة ، في تكوين عدد كبير من النخب الإفريقية ، نجدهم الآن يحتلون مناصب المسؤولية في تلك البلدان .
ومازال هذا الجهد متواصلاً حتى الآن .بل إنه في تزايد مستمر ، في ظل الحركة التي يقودها جلالة الملك محمد السادس في إفريقيا. وفي ظل هذه النهضة الشاملة التي يقودها جلالة الملك داخليا وخارجيا يتبين بشكل ملموس أن المغرب في طريقه إلى أن يصبح مركزا على صعيد القارة ، يستقطب الطلبة من أنحاء العالم ، خاصة الأفارقة منهم ، للدراسة والتكوين والتأهيل في مؤسساتنا الجامعية والتكوينية التي تشهد إقبالاً كبيرا من جانب الدول الكبرى ، لافتتاح فروع في المغرب ، لمعاهدها ذات الصيت العالمي ، وذلك في إطار عولمة التعليم العالي ، التي تعرف حالياً تنافساً كبيراً بين هذه الدول لنيل قصب السبق واستقبال أكبر عدد من الطلبة في حظيرتها .
إن هذه النهضة التي يقودها جلالة الملك في كل المجالات ، يجب أن تسترعي انتباهنا إلى دلالة لها أعمق بكثير مما قدمنا. إنها في الحقيقىة تحمل أمارات ذات مصداقية ، أن المغرب ، بقيادة عاهله ، هو الآن بصدد إعادة بناء الدولة الكبرى التي احتلت من قبل هذه الرقعة الجغرافية ذات الموقع الإستراتيجي الخطير الذي هو أيضا نعمة من الله كبرى ، على مفترق الطرق بين أوربا وأمريكا وإفريقيا والشرق الأوسط.
وهو ما يدعو أن نكون جميعا مجندين وراء جلالة الملك ، لتحقيق هذا الحلم، بل لإنجاز هذا المشروع الضخم الذي يتطلب مشاركة الجميع بكل عزم وتصميم وإخلاص ، والعبء كبير علينا ، نحن الدبلوماسيين ، سواء منهم المخضرمون ، أم الجيل الجديد ، لمواكبة هذا العمل الجبار ، وتعبئة كل مواهبنا وتجاربنا وحكمتنا لإنجاحه ، والله الموفق للصواب ، وهو وحده الهادي إلى سبيل الرشاد .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


أخبار اخرى

البحث في الأخبار

    الكلمة